بدأ ضيوف الرحمن فى "التفويج" على بيت الله الحرام، مُلبِّين، مُهلِّلين، مُكبِّرين (لبَّيْك اللهم لبَّيْك، لبَّيْك لا شريك لك لبَّيْك، إن الحمد والنعمة لك والمُلْك، لا شريك لك لبَّيْك).
ومعهم قلوب ملايين المسلمين فى شتَّى بِقاع الكُرة الأرضية، يتابعون ويتشاركون فى ذات المشاعر والأحاسيس الجيَّاشة، فالكلُّ لديه شوقٌ ورغبةٌ أن يكون فى هذا الموقف الإيمانى العظيم، يوم أن يحلَّ ضيفًا على الكريم سبحانه وتعالى، وحقٌّ على المَضيف أم يُكرِم ضيْفه ووافدَه، وألا يرجعه "صِفر اليدين".
وهذا ما قصده سيّدنا رسول الله، فيما أخرجه البخارى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- بقوله: "من حجَّ فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيومِ ولدتهُ أمُّه".
وحتى يتحقق ذلك فلابد من خطوات مهمّة تسبق الشروع فى أداء فريضة الرّكن الخامس من أركان الإسلام (بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شَهادةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصَومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ لمنِ استطاعَ إليهِ سبيلًا). أولها: ردُّ الحقوق والمظالِم لأهلها، فلا يُعقل أن يكون قاصدًا البيت الحرام وهو آكلٌ وسالبٌ لحقوق الآخرين أو ظالِمهم بأى نوعٍ من الظُّلم.
وأن يكون مصْدَر حجّه ومأكلِه ومشرَبِه من حلال، فلا يُعقل أن يكون من "غسيل الأموال" ثم ينتظر "غسيل الذنوب"! فقد أخرج البخارى ومسلم، عن أبى هريرة، قول سيّدنا رسول الله: (يا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللَّهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بِه المرسلينَ فقالَ: يَا أيُّهَا الرُّسُلُ، كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. وقالَ: يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ. قالَ: وذَكرَ الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَه إلى السَّماءِ، يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمُه حرامٌ، ومشربُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ، وغذِّيَ بالحرامِ، فأنَّى يستجابُ لذلِك؟!). كما قال فى أمر الحج: "من حجَّ بمالٍ حرامٍ فقالَ: لبَّيكَ اللَّهمَّ لبَّيكَ. قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: لا لبَّيكَ ولا سعديكَ، وحجُّكَ مردودٌ عليكَ".
فليحرص كلُّ من أراد التخلُّص من ذنوبه وآثامه، أن يتحلَّل ويتخلَّص من مظالِم وحقوق الآخرين، وقبْلها تحرِّى الرّزق الحلال، حتى لا يكون ما أدَّاه مجرد سلوكيات ظاهرة لا تكاد تُجاوز الأفعال والحرَكات والطّقوس المَظْهريّة.
ورغم كل شئ، ندعو الله سبحانه وتعالى أن يتقبَّل مِن حجَّاج بيته الحرام، ويغفر لهم ويُرجعهم كـ"يومِ ولدتهم أُمَّهاتُهم"، فحقٌّ على المَزُورِ أن يُكرم زائِره، والله أكرَم من أن يرُدُّ سائلا، مهما كان، فيكفيهم أنهم قَصَدوا بيتَه وروضة نبيِّه الكريم.
فاللهم تقبَّل من ضيوفك حجّهم وتلبيتهم، وامنُن علينا بالسَّكينة والأمن والسلام على جميع خلْقِك، يا أكرم مَنْ سُئِل.